الشنقيطي

346

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 ) [ البقرة : 134 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا في سورة « النحل » بإيضاح : أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [ العنكبوت : 13 ] الآية ، ولا قوله : لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ النحل : 25 ] الآية ؛ لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم ، وأوزار إضلالهم غيرهم ؛ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا - كما تقدم مستوفى . تنبيه يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان : الأول - ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي اللّه عنهما من « أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه » « 1 » فيقال : ما وجه تعذيبه ببكاء غيره ؛ إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره ؟ السؤال الثاني - إيجاب دية الخطأ على العاقلة ؛ فيقال : ما وجه إلزام العاقلة الدية بجناية إنسان آخر ؟ . والجواب عن الأول - هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين : الأول - أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه ؛ كما قال طرفة بن العبد في معلقته : إذا مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي على الجيب يابنة معبد لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه : فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر ؛ وذلك من فعله لا فعل غيره . الثاني - أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ؛ لأن إهماله نهيهم تفريط منه ، ومخالفة لقوله تعالى : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] فتعذيبه إذا بسبب تفريطه ، وتركه ما أمر اللّه به من قوله : قُوا أَنْفُسَكُمْ الآية - وهذا ظاهر كما تر . وعن الثاني - بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل ، ولكنها مواساة محضة أوجبها اللّه على عاقلة الجاني ؛ لأن الجاني لم يقصد سوءا ، ولا إثم عليه البتة - فأوجب اللّه في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع ، وأوجب المواساة فيها على العاقلة . ولا إشكال في إيجاب اللّه على بعض خلقه مواساة بعض خلقه ؛ كما أوجب أخذ الزكاة من مال

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1286 و 1287 ، ومسلم في الجنائز حديث 16 .